العراق يحذر من ازمة مائية وتحقيق برغراف يكشف سوء الادارة وراء تراجع خزين كوردستان

18-08-2025 03:39

برغراف

وزارة الزراعة العراقية اعلنت يوم الاحد ان صندوق المناخ الاخضر وافق على تمويل مشروع جديد لمواجهة ازمة شح المياه المتفاقمة في العراق والتحديات الناجمة عن التغير المناخي. وفي وقت اشارت فيه السلطات في بغداد الى تراجع مستويات الخزن المائي في عموم البلاد، كشف تحقيق لبرغراف ان اقليم كوردستان، الذي طالما اعتبر خزان العراق الحيوي، يواجه الان سوء ادارة خطيرا واستنزافا متسارعا لموارده المائية.

ميثاق عبد الحسين الوكيل الفني للوزارة قال لوكالة الانباء العراقية ان العراق “انتقل من مرحلة شح المياه الى مرحلة ازمة المياه”، مبينا ان الخزين المائي الوطني انخفض الى اقل من عشرة مليارات متر مكعب. واوضح ان استراتيجية الوزارة تقوم على مسارين اساسيين: الاول تقليل الاستهلاك من خلال تقنيات الري الحديثة، والثاني تكييف القطاع الزراعي مع التغير المناخي عبر تطوير اصناف زراعية مقاومة للجفاف والحرارة.

 ومن المتوقع ان يلعب الدعم الدولي دورا محوريا في هذا المجال. فقد وافق صندوق المناخ الاخضر بالفعل على تمويل مشروع بقيمة تسعة وثلاثين مليون دولار، تتولى منظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة تنفيذه لتعزيز القدرة على مواجهة التغير المناخي في المجتمعات الزراعية. كما تعهدت السويد بتقديم عشرة ملايين ومئتي الف دولار لدعم تحول العراق الى الزراعة الذكية مناخيا ونظم تربية الاسماك المغلقة. واطلق العراق كذلك حملة وطنية للتشجير زرع خلالها ثمانية ملايين شجرة خلال العام الماضي.

صندوق المناخ الاخضر الذي انشئ عام 2010 يعد مبادرة تدعمها الامم المتحدة لتمويل المشاريع المتعلقة بالمناخ في الدول النامية. وفي ايار الماضي وافق الصندوق على حزمة تمويلية بقيمة مليار وثلاثمئة مليون دولار للعراق شملت ثمانية عشر مشروعا موزعة على انحاء البلاد.

لكن في الوقت الذي تبرز فيه بغداد هذه الانجازات، يرسم تحقيق برغراف الاخير حول وضع المياه في اقليم كوردستان صورة مختلفة تماما. فعلى الرغم من ان الاقليم يضم انهارا وبحيرات واكثر من خمسة الاف ومئتي نبع، الا انه يواجه ما وصفه الخبراء بازمة ادارة منهكة. واوضح المختصون للموقع ان المشكلة لا تكمن في الشح وحده بل في عقود من سوء الادارة وغياب البنى التحتية والاستغلال المفرط وغير المنظم للمياه الجوفية.

واظهر التحقيق ان اكثر من الف وستمئة وخمسين نبع جف في الاقليم، كما ان مئات القنوات المائية القديمة المعروفة بالكرست لم تعد تعمل. وتشير الاحصاءات الرسمية الى ان منسوب المياه الجوفية في اربيل انخفض بمعدل خمسمئة متر منذ تسعينيات القرن الماضي، اذ كانت الابار تصل الى المياه على عمق مئة وعشرين مترا بينما يتطلب الامر اليوم الحفر الى سبعمئة متر. وتزيد من حدة المشكلة الابار غير المرخصة التي تجاوز عددها ثمانية وعشرين الف بئر في عموم الاقليم.

وقال الخبير في امن المياه سرمد لطيف للصحيفة ان “اقليم كوردستان غني بالموارد المائية لكنه يفتقر الى سياسة مائية واضحة”، محذرا من ان العراق والاقليم مصنفان ضمن ادنى فئة عالمية من حيث امن المياه، ما يعني انهما غير قادرين على ضمان كفاية المياه لخمسة وعشرين عاما مقبلة. 

كما بين التحقيق حدوث تراجع خطير في معدلات الامطار، اذ انخفض متوسط الهطول السنوي في الاقليم من ثمانمئة مليمتر في اواخر القرن العشرين الى نحو خمسمئة مليمتر حاليا، فيما تشير التوقعات الى مزيد من الانخفاض. وفي عام 2021 هبط معدل الامطار الى مئتين وستة وثلاثين مليمتر فقط وهو الادنى منذ اكثر من عقد.

وتعد خزانات المياه في كوردستان مصدرا رئيسيا لمياه العراق، لكن حتى هذه لم تعد تفي بالغرض. فسدود دوكان ودر بندخان وحدها تستوعب قرابة ثلاثين في المئة من خزين البلاد المائي، الا ان مستوياتها الحالية حرجة للغاية. ويحذر الخبراء من انه من دون استثمارات عاجلة في بناء سدود جديدة وادارة سليمة سيجد الاقليم صعوبة في تلبية احتياجاته فضلا عن تلبية احتياجات العراق.

واوضح الدكتور عبدالله بوتاني المختص بالسدود والموارد المائية للصحيفة ان بامكان كوردستان ضمان مستقبلها ومستقبل العراق المائي اذا ما شرعت في انشاء المشاريع المؤجلة منذ عقود مثل سد بخمة على نهر الزاب الكبير الذي يمكن ان يستوعب ثمانية عشر مليار متر مكعب من المياه. وقال “مع التخطيط الاستراتيجي يمكن لاقليم كوردستان ان يتحول الى مركز المياه للعراق، لكن من دون سياسة متماسكة سنخسر المياه السطحية والجوفية معا”.

وخلص تحقيق برغراف الى ان سوء الادارة الحكومية يزيد من تفاقم الازمة، اذ ان تركيز المسؤولين انصب على قطاعات النفط والطاقة لعقود بينما بقيت المؤسسات المعنية بالمياه ضعيفة ومهمشة وتعاني من نقص التمويل ويقودها اشخاص غير متخصصين. واشارت الصحيفة الى انها حاولت التواصل مع وزارة الزراعة والموارد المائية في حكومة اقليم كوردستان للحصول على تعليق بشأن الخطط طويلة المدى لكنها لم تتلق ردا.

وفي الوقت الراهن يحذر الخبراء من ان ازمة المياه تهدد الزراعة والامن الغذائي والصحة العامة في عموم العراق. وقال لطيف “اذا لم يتم اتخاذ خطوات جدية فان الجفاف والتصحر وانهيار الزراعة ستكون نتائج حتمية”. 

وبينما ترحب بغداد بالدعم الدولي والتمويل الجديد، تؤكد نتائج تحقيق برغراف في كوردستان ان الاموال وحدها لن تكون كافية لمعالجة ازمة المياه في العراق من دون ارادة سياسية وادارة رشيدة واستراتيجية جادة لحماية المورد الاكثر اهمية في البلاد.