برغراف — عثر علماء اثار في مدينة اربيل على مقبرة جماعية يعود تاريخها الى نحو الفي عام، في اكتشاف يتوقع ان يقدم معلومات مهمة عن واحدة من اقل دول المنطقة القديمة فهما، وهي مملكة اديابين.
ويقع الموقع في منطقة باغلومنارا، حيث تمكن فريق تنقيب محلي بالتعاون مع مديرية الاثار من تحديد الخندق الذي يضم رفات ما لا يقل عن مئة شخص دفنوا معا في ظروف لا تزال غير معروفة حتى الان.
وعثر الباحثون الى جانب الهياكل العظمية على عدد من القطع الاثرية، بينها عملات قديمة وخلخالان من البرونز وخرزتان وسوار حديدي. والمثير للاهتمام انه لم يتم العثور سوى على اربع قطع فخارية فقط، وهو عدد قليل بشكل غير معتاد بالنسبة لمقبرة بهذا الحجم، ما دفع الباحثين الى التساؤل حول ملابسات الوفاة والدفن.
ووصف علماء الاثار المشاركون في المشروع الاكتشاف بانه حدث تاريخي مهم قد يساعد في توضيح فترة غير موثقة بشكل كاف من تاريخ مملكة اديابين، التي كانت تسيطر يوما على اجزاء من اقليم كوردستان وشمال بلاد ما بين النهرين.
فرضيات حول سبب الوفاة
وطرح الاكتشاف عدة فرضيات متنافسة، اذ تشير احدى النظريات الى احتمال ان يكون الخندق دليلا على صراع وقع خلال حكم الملكة هيلينا من اديابين، المعروفة تاريخيا باعتناقها الديانة اليهودية. كما تشمل الاحتمالات الاخرى وقوع مجزرة خلال توسع الامبراطورية الساسانية او تفشي وباء محلي مثل الطاعون.
وتعكس كل فرضية مرحلة مختلفة من تاريخ اديابين المعقد، الذي تميز بتحولات سياسية ودينية مستمرة.
وللوصول الى نتائج ادق، ارسلت عينات من الحمض النووي المستخرج من الرفات الى مختبرات تابعة لوزارة الداخلية، على امل تحديد الاصول الجغرافية للمتوفين وحالتهم الصحية العامة وربما سبب الوفاة.
مملكة عند تقاطع الحضارات
وكانت اديابين، المعروفة في المصادر السريانية باسم حدياب، تحتل موقعا استراتيجيا بين امبراطوريات العالم القديم. وتمركزت حول اربيل الحالية، وظهرت قبل عدة قرون من الميلاد، ثم توسعت في عهد ملوك مثل مونوبازوس الاول الذي مد نفوذه نحو نينوى.
وبلغت المملكة ذروة قوتها في عهد ايزاتس الثاني، حيث ضمن تحالفه مع الامبراطورية الفرثية الاستقرار السياسي والتوسع الاقليمي. وامتدت حدودها من نهري الزاب الكبير والصغير حتى سفوح جبال زاغروس، ما جعلها نقطة حيوية للتجارة والتبادل الثقافي.
ورغم اهميتها، لا يزال تاريخ اديابين مجزأ ومحفوظا في نصوص كلاسيكية ودينية متفرقة، لذلك تعد الاكتشافات الاثرية مثل موقع باغلومنارا نادرة وقيمة لسد هذه الفجوات التاريخية.
ولا يزال الموقع يطرح اسئلة اكثر مما يقدم من اجابات، اذ يشير العدد الكبير من الرفات الى وقوع حدث مفاجئ واسع النطاق، لكن غياب اللقى الجنائزية التقليدية يجعل تفسير ما حدث امرا صعبا.
ويؤكد علماء الاثار ان الحفريات الاضافية والفحوص المختبرية ضرورية قبل التوصل الى استنتاجات نهائية، الا ان الاكتشاف يسلط الضوء مجددا على العمق التاريخي لمدينة اربيل، التي تعد من اقدم المدن الماهولة بشكل متواصل في العالم، وموقعا ذا اهمية اثرية كبيرة.