برغراف — اجل مجلس النواب العراقي جلسة انتخاب رئيس الجمهورية للمرة الثانية، في ظل استمرار الخلافات العميقة بين القوى السياسية الكوردية والشيعية، ما زاد من حدة المأزق الدستوري والسياسي الذي تعيشه البلاد.
وبعد فشل عقد جلسة يوم الاحد لانتخاب رئيس الجمهورية، رغم اعتبارها الموعد الدستوري الاخير، عقدت رئاسة مجلس النواب اجتماعا مع قادة الكتل السياسية، تم خلاله الاتفاق على تأجيل الجلسة الى يوم الخميس او السبت المقبلين، ووصفت هذه المواعيد بانها الفرصة الاخيرة لحسم الخلافات القائمة.
وقال مصدر سياسي في بغداد لموقع برغراف ان موعد الجلسة لم يحسم بشكل نهائي حتى الان، موضحا ان القرار مرهون بالتطورات السياسية خلال الايام المقبلة ومدى قدرة الاطراف على التوصل الى تفاهمات. واضاف ان هذه تمثل الفرصة الاخيرة امام القوى السياسية للاتفاق على مرشحي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء.
خلافات كوردية وشيعية تعمق الازمة
وتعثر انتخاب رئيس الجمهورية، وهو منصب مخصص دستوريا للكورد، بسبب الخلافات المستمرة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، اللذين فشلا في التوصل الى مرشح مشترك.
وحمل رئيس كتلة الاتحاد الاسلامي الكوردستاني مثنى امين، وهو احد المرشحين للمنصب، الحزبين الرئيسيين مسؤولية التعطيل، قائلا ان السبب الاساسي للتأجيلات المتكررة يعود الى عدم اتفاق الحزبين ورفضهما دعم اي مرشح من خارج اطارهما.
واضاف امين ان الخلافات داخل الاطار التنسيقي الشيعي حول مرشح رئاسة الوزراء اسهمت ايضا بشكل كبير في تعطيل جلسات البرلمان، مشيرا الى ان الصراع على منصب رئيس الوزراء بات عاملا رئيسيا في تعقيد المشهد السياسي.
ونقل مصدر سياسي رفيع المستوى لموقع برغراف ان القوى الشيعية، ورغم انقساماتها الداخلية، باتت تلقي باللوم على الاحزاب الكوردية في تعطيل العملية، محذرة من انها ستقاطع الجلسة في حال قاطعها احد الحزبين الكورديين، ما سيحول دون اكتمال النصاب القانوني.
واكد المصدر انه من دون اتفاق مسبق بين الحزبين الكورديين الرئيسيين، او تفاهم اوسع بين القوى الكوردية والشيعية التي تمتلك الاغلبية البرلمانية، فان الجلسة لن تعقد.
تجاوز المدد الدستورية
وكان من المقرر عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 27 كانون الثاني 2026، على ان يكون يوم 28 من الشهر ذاته اخر موعد دستوري ضمن مهلة الثلاثين يوما المحددة دستوريا. ولاحقا جرى اعتبار يوم الاحد الموعد النهائي، الا ان البرلمان فشل مجددا في عقد الجلسة.
وبينما جاء التأجيل الاول بطلب من الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لاعطاء فرصة للتوصل الى مرشح مشترك، نسب التأجيل الاخير بشكل اساسي الى الخلافات الشيعية حول مرشح رئاسة الوزراء.
وينص الدستور العراقي على ان انتخاب رئيس الجمهورية يجب ان يتبعه مباشرة تكليف رئيس الوزراء بتشكيل الحكومة، ما يجعل الملفين مترابطين بشكل وثيق.
ووفقا للجدول الرسمي لمجلس النواب، كان من المفترض ان تبدأ جلسة الاحد عند الساعة الحادية عشرة صباحا، الا ان اكثر من ساعة مضت دون انعقادها، ما اكد عدم اكتمال النصاب القانوني.
ترشيح المالكي والعامل الاميركي
وتعقدت الازمة السياسية اكثر مع الجدل الدائر حول ترشيح نوري كامل المالكي لمنصب رئيس الوزراء، حيث وصف مصدر سياسي رفيع الوضع داخل البيت الشيعي بانه حالة تعقيد سياسي شديد.
وقال المصدر ان استبدال المالكي يعد لدى بعض الاطراف فشلا او اهانة، في حين ان الابقاء عليه يمثل ازمة حقيقية للعراق، محذرا من ان رفض الرئيس الاميركي دونالد ترامب العلني لترشيحه قد يضع العراق امام ازمة كبرى في حال امتنعت واشنطن عن التعامل مع الحكومة المقبلة.
ورغم ذلك، جدد الاطار التنسيقي الشيعي، خلال اجتماعه الدوري رقم 261 الذي عقد في مكتب المالكي يوم 31 كانون الثاني، تمسكه بترشيحه، مؤكدا ان اختيار رئيس الوزراء شان عراقي دستوري خالص يتم وفقا للاليات السياسية والمصلحة الوطنية، بعيدا عن اي تدخلات خارجية.
وشدد الاطار على رغبته في الحفاظ على علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، مع رفضه لاي ضغوط خارجية، فيما افادت وسائل اعلام عراقية بان رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم لم يشارك في الاجتماع.
وكان الحكيم قد عبر في وقت سابق عن اسفه لتغريدة ترامب الرافضة لترشيح المالكي، مؤكدا ضرورة الالتزام بالمواعيد الدستورية وتقديم مصلحة العراق الوطنية، محذرا من ان تصاعد التوترات السياسية قد يقود الى تداعيات اقتصادية خطيرة.
تحركات سياسية في اقليم كوردستان
وفي محاولة لكسر الجمود، من المقرر ان يزور وفد من الاطار التنسيقي يضم هادي العامري ومحمد شياع السوداني ومحسن المندلاوي، اقليم كوردستان يوم الاثنين، حيث سيلتقي رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني في اربيل، ورئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني في السليمانية.
وقال رئيس حكومة اقليم كوردستان مسرور بارزاني ان اي اتفاق لم يتم التوصل اليه حتى الان، مؤكدا ان اربيل بانتظار وصول وفد الاطار التنسيقي لمناقشة ملفي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء.
تصاعد الضغوط والتهديد بحل البرلمان
وادت التأجيلات المتكررة الى خلق ما يوصف بفراغ دستوري، ما اثار موجة انتقادات سياسية وشعبية. واتهم النائب محمود فالح مجلس النواب بانتهاك الدستور وتجاوز جميع المدد المحددة.
وحذر فالح من انه سيباشر بجمع تواقيع لحل البرلمان الحالي في حال استمر التعطيل خلال الجلسة المقبلة.
من جهته، جدد مجلس القضاء الاعلى التاكيد على ضرورة الالتزام الكامل بالمواعيد الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، محذرا من ان استمرار التاخير قد يهدد الاستقرار السياسي ويقوض المسار الديمقراطي في البلاد.
ومع اقتراب ما يوصف بالفرصة الاخيرة لحل الازمة، تبقى الايام المقبلة حاسمة في تحديد ما اذا كانت القوى السياسية قادرة على التوصل الى تسوية، او ان العراق سيتجه نحو مزيد من الغموض السياسي.