انقسامات الكورد تعمق العزلة السياسية في ظل وحدة نادرة للمنافسين الشيعة والسنة في بغداد

24-11-2025 02:29

 برغراف-بعد مرور اكثر من عام على ادلاء الناخبين في اقليم كوردستان باصواتهم، لا تزال الاحزاب السياسية المهيمنة على الاقليم حبيسة خلاف داخلي مرير ومتصاعد، ادى الى شل تشكيل حكومة اقليم كوردستان الجديدة، ويهدد اليوم بتهميش الدور الكوردي في مفاوضات بغداد الجارية لتشكيل الحكومة الاتحادية العراقية المقبلة. وبينما تدخل الكتل الشيعية والسنية هذه المرحلة بتماسك غير اعتيادي، تصل الاحزاب الكوردية، التي كانت تقليديا صانعة للملوك في حكومات ما بعد عام 2003، الى طاولة المفاوضات مجزأة ومحاصرة ومقلصة سياسيا.

اقليم كوردستان.. منطقة تنقسم على نفسها

حصلت الاحزاب الكوردية على 58 مقعدا في البرلمان العراقي المؤلف من 329 عضوا، تضاف اليها خمسة مقاعد ككوتا مضمونة للحزب الديمقراطي الكوردستاني. وعلى الورق تبدو هذه الارقام ثقيلة سياسيا، اذ نال الحزب الديمقراطي الكوردستاني 27 مقعدا اضافة الى 5 مقاعد كوتا، فيما حصل الاتحاد الوطني الكوردستاني على 18 مقعدا، وقائمة تيار الموقف على 5 مقاعد، والاتحاد الاسلامي الكوردستاني على 4، وحركة الجيل الجديد على 3، والجماعة العدل في كوردستان على مقعد واحد.

لكن هذه الارقام تخفي تدهورا كبيرا في البيئة السياسية داخل الاقليم. فالتنافس بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني وصل الى اعلى مراحله منذ تسعينيات القرن الماضي، وهي فترة شهدت ذروة الصراع الداخلي المسلح. وقد انعكست هذه الخصومة على واقع المؤسسات، ما ادى الى شل تشكيل حكومة وبرلمان اقليم كوردستان لاكثر من عام كامل. وتعطلت كل المحاولات بسبب خلافات مستمرة حول نتائج الانتخابات، والصلاحيات الدستورية، والملفات الامنية، وتوازن الادارة بين اربيل والسليمانية. وحتى التنسيق الاداري الاساسي بين مؤسسات الاقليم بات شبه غائب، مع وجود وزارات وادارات امنية تعمل ضمن ولاءات متنافسة.

وامتدت تداعيات الازمة الى بغداد، حيث تخشى القوى السياسية ان يذهب الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني الى المفاوضات الاتحادية بوفود منفصلة، ما يهدد باضعاف الموقف الكوردي ويتيح لخصومهم استثمار هذا الانقسام.

الاطار التنسيقي يمضي بسرعة نحو ترسيخ نفوذه

في المقابل، تتحرك القوى السياسية الشيعية بخطوات متسارعة لتعزيز سيطرتها على مسار تشكيل الحكومة المقبلة. فقد اعلن الاطار التنسيقي في 20 تشرين الثاني عن تسجيل نفسه كتكتل برلماني اكبر، ما يمنحه الحق الدستوري في تسمية رئيس الوزراء القادم. واجتمع قادة الاطار في مكتب رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي، وشدد بيانهم على الالتزام بالمواعيد الدستورية وتشكيل لجان لتقييم المرشحين لرئاسة الوزراء وصياغة رؤية سياسية موحدة. الرسالة كانت واضحة: القوى الشيعية تريد انتقالا منظما وسريعا، وتظهر تماسكها الداخلي في وقت يعاني فيه الكورد من ازمة حادة.

السنة يقدمون مفاجأة سياسية بوحدة نادرة

وفي تطور غير متوقع، تمكنت الاحزاب السنية التي حصلت على اكثر من 70 مقعدا من تجاوز خلافاتها واعلنت في 23 تشرين الثاني عن تشكيل “المجلس السياسي الوطني”. وضم المجلس احزاب تقدم، وعزم، وسيادة، والحسم، والجماهير، وتوصل قادتها خلال اجتماع في بغداد في مقر اقامة خميس الخنجر الى اتفاق على العمل ضمن اطار سياسي واحد طوال السنوات الاربع المقبلة. ويهدف هذا المجلس الى تنسيق المواقف وتوحيد الخطاب وادارة المفاوضات مع باقي القوى بشكل مشترك، في خطوة تمنح السنة ثقلا تفاوضيا استعدادا لتشكيل الحكومة.

العراق يتقدم.. والكورد يتراجعون

تدخل الكتل الشيعية والسنية مسار المفاوضات بزخم واضح وصفوف متماسكة، بينما لا يزال القادة الكورد مختلفين حول من يمثلهم وكيف يفاوضون. وبينما تتقدم القوى السياسية الاخرى باجندات موحدة واهداف واضحة، يقف الكورد امام ازمة داخلية تعرقل دورهم التقليدي كلاعب رئيسي في السياسة العراقية.

في لحظة سياسية حساسة، يبدو ان العراق يمضي قدما، بينما يبقى الكورد في مكانهم، متأثرين بانقساماتهم التي تهدد نفوذهم في المرحلة المقبلة.