العراق وتركيا يوقعان أول اتفاق مائي في تاريخهما وسط تفاقم أزمة الجفاف

02-11-2025 07:57

 

برغراف

وقع العراق وتركيا، اليوم الأحد في بغداد، أول اتفاق رسمي بينهما لتنظيم ملف المياه، في خطوة وصفها مسؤولون من البلدين بأنها “تاريخية” وتمثل إنجازا كبيرا نحو مواجهة إحدى أخطر أزمات المياه في الشرق الأوسط.

وجرى توقيع الاتفاق تحت إشراف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، من قبل وزيري خارجية البلدين، ويهدف إلى وضع إطار طويل الأمد لإدارة الموارد المائية المشتركة، وإطلاق مشاريع ضخمة مشتركة، وتوسيع التعاون لمواجهة تناقص الإمدادات المائية.

وقال السوداني إن الاتفاق سيسهم في تنفيذ “حزمة من المشاريع المائية الكبرى المشتركة” لمعالجة أزمة شح المياه التي تفاقمت خلال العقد الأخير، وتسببت بتسارع وتيرة التصحر في مناطق واسعة من العراق، بما في ذلك إقليم كوردستان.

من جانبه، وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاق بأنه “غاية في الأهمية” بعد سنوات من المفاوضات، موضحا أن النقاشات حول هذا الإطار بدأت قبل عامين ونصف وفق خارطة طريق من مرحلتين: تحسين استخدام المياه المشتركة، وتعزيز أنظمة إدارة المياه داخل العراق.

وأكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن الاتفاق يشكل “وثيقة تاريخية هي الأولى من نوعها في العلاقات بين البلدين لتنظيم العلاقات المائية”، مشيراً إلى أنه جاء نتيجة اجتماعات مكثفة جرت في أنقرة بهدف التوصل إلى تفاهم مشترك حول إدارة الموارد المائية.

 

ستة مشاريع مائية رئيسية ضمن الاتفاق

أوضحت وزارة الموارد المائية العراقية أن الاتفاق يتضمن ستة مشاريع رئيسية تركز على حصاد المياه واستصلاح الأراضي. وذكر المتحدث باسم الوزارة خالد شمال أن ثلاثة من هذه المشاريع تشمل بناء سدود صغيرة، تبلغ سعة كل منها بين خمسة إلى عشرة ملايين متر مكعب من المياه، مصممة لجمع مياه الأمطار، وحماية المجتمعات الريفية من السيول، ودعم الزراعة والمراعي.

وأضاف شمال أن المشاريع الثلاثة الأخرى ستركز على استصلاح الأراضي الزراعية، مؤكدا أن هذه السدود “ستؤمن المياه، وتحمي القرى من الفيضانات، وتعزز الإنتاج الزراعي”، مشيراً إلى أن ملف المياه أصبح الآن “أولوية سيادية” للحكومة العراقية.

وأوضح شمال أن بغداد طلبت رسميا من أنقرة زيادة الإطلاقات المائية اليومية من نهري دجلة والفرات إلى 500 متر مكعب في الثانية لكل منهما، مع توقع ارتفاع التدفقات إلى مليار متر مكعب لاحقا.

وكان الوزيران فؤاد حسين وهاكان فيدان قد أعلنا في العاشر من تشرين الأول التوصل إلى تفاهم عاجل بشأن إدارة المياه. وأكد حسين أن الاتفاق يعكس التزام بغداد بتحقيق الأمن المائي على المدى الطويل، فيما شدد فيدان على أن تركيا أيضاً تواجه ضغوطاً مائية وتحتاج إلى استراتيجية مشتركة لإدارة الموارد المتناقصة.

 

العراق يواجه أسوأ موسم مائي منذ قرن

يعاني العراق من واحدة من أشد أزمات المياه منذ عقود، ما يهدد الزراعة والطاقة وسبل المعيشة. ويعتمد العراق بشكل كبير على نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا وسوريا قبل أن يصلا إليه. وقد تفاقمت الأزمة بفعل التغير المناخي، وضعف التنظيم، وبناء السدود في أعالي النهرين، وسوء إدارة الموارد المائية.

وكشفت تحقيقات أجرتها “برغراف” في وقت سابق من هذا العام عن تدهور مقلق في إدارة الموارد المائية داخل إقليم كوردستان، الذي يعد من أبرز خزانات المياه في العراق، حيث جف أكثر من 1650 نبعا، وانخفض منسوب المياه الجوفية في أربيل بنحو 500 متر منذ تسعينيات القرن الماضي، فيما سجلت مستويات المياه في سدي دوكان ودر بندخان انخفاضاً غير مسبوق.

ويحذر خبراء المياه من أن استمرار هذا الوضع دون إصلاحات شاملة قد يؤدي إلى تدهور زراعي لا رجعة فيه واتساع رقعة التصحر.

وقال خبير الموارد المائية الدكتور عبد الله بوتاني: “إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة، فإن المياه السطحية والجوفية على حد سواء ستكون في خطر”.

وأضاف المحلل سرمد لطيف أن “العراق أصبح من بين الدول الأدنى عالميا في مؤشر الأمن المائي، والمستقبل سيكون مظلما ما لم تبدأ خطة استراتيجية جادة فورا"

 

ضرورة التعاون الإقليمي

ومع اعتماد العراق على أنهار تنبع من خارج حدوده، أصبح التعاون مع دول الجوار – وخصوصا تركيا – أمرا مصيريا. ويُنظر إلى اتفاق اليوم على أنه خطوة أولى نحو إرساء تنسيق مؤسسي دائم لإدارة المياه، إلا أن نجاحه سيعتمد على آليات التنفيذ والاستمرارية السياسية.

وأكد مسؤولون من البلدين أن محادثات فنية إضافية ستُعقد قريبا لتحديد جداول زمنية وآليات تنفيذ المشاريع المشتركة.

وبالنسبة للعراقيين الذين يواجهون تراجع الإنتاج الزراعي، وانحسار الأنهار، وزحف الصحراء، فإن هذا الاتفاق قد يشكل بصيص أمل لمعالجة واحدة من أكثر الأزمات خطورة في المنطقة.